العلامة المجلسي

52

بحار الأنوار

النفي في المستقبل - كما صرح به الزمخشري في انموزجه - فيكون نصافي أن موسى عليه السلام لا يراه أبدا ، أو تأكيده - على ما صرح به في الكشاف - فيكون ظاهرا في ذلك لان المتبادر في مثله عموم الأوقات ، وإذا لم يره موسى لم يره غيره إجماعا ، وإن نوقش في كونها للتأكيد أو للتأبيد فكفاك شاهدا استدلال أئمتنا عليهم السلام بها على نفي الرؤية مطلقا ، لأنهم أفصح الفصحاء طرا باتفاق الفريقين ، مع أنا لكثرة براهيننا لا نحتاج إلى الاكثار في دلالة هذه الآية على المطلوب 28 - التوحيد : الدقاق : عن الأسدي ، عن البرمكي ، عن الحسين بن الحسن ، عن عبد الله بن زاهر ، عن الحسين بن يحيى الكوفي ، عن قثم بن قتادة ، عن عبد الله بن يونس ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له : ذعلب ذرب اللسان بليغ في الخطاب شجاع القلب فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك ؟ فقال : ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربا لم أره . قال : يا أمير المؤمنين كيف رأيته ؟ قال يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الابصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان . ( 1 ) أقول : تمامه في باب جوامع التوحيد . 29 - نهج البلاغة : من كلام له عليه السلام - وقد سأله ذعلب اليماني - فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : أفأعبد مالا أرى ؟ ( 2 ) قال : وكيف تراه ؟ قال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان ، ( 3 ) قريب من الأشياء غير

--> ( 1 ) تقدم الحديث باسناد آخر تحت رقم 2 . ( 2 ) استفهام إنكاري لعبادة مالا يدرك وفيه إزراء على السائل . ( 3 ) قال ابن ميثم : تنزيه له عن الرؤية بحاسة البصر وشرح لكيفية الرؤية الممكنة ، ولما كان تعالى منزها عن الجسمية ولواحقها من الجهة وتوجيه البصر إليه وإدراكه به وإنما يري ويدرك بحسب ما يمكن لبصيرة العقل لاجرم نزهه عن تلك وأثبت له هذه ، فقال : لا تدركه العيون إلى قوله : بحقائق الايمان ، وأراد بحقائق الايمان أركانه ، وهي التصديق بوجود الله ووحدانيته وسائر صفاته ، واعتبارات أسمائه الحسنى ، وعد من جملتها اعتبارات يدركه بها : أحدها كونه قريبا من الأشياء ، ولما كان المفهوم من القرب المطلق الملامسة والالتصاق - وهما من عوارض الجسمية - نزه قربه تعالى عنها ، فقال : غير ملامس فأخرجت هذه القرينة ذلك اللفظ عن حقيقته إلى مجازه وهو اتصاله بالأشياء وقربه منها بعلمه المحيط وقدرته التامة . الثاني : كونه بعيدا منها ، ولما كان البعد يستلزم المباينة - وهي أيضا من لواحق الجسمية - نزهه عنها بقوله : غير مباين فكان بعده عنها إشارة إلى مباينته بذاته الكاملة عن مشابهة شئ منها . الثالث : وكذلك قوله : " متكلم بلا روية " وكلامه يعود إلى علمه بصور الأوامر والنواهي ، وسائر أنواع الكلام عند قوم ، والى المعنى النفساني عند الأشعري ، والى خلقه الكلام في جسم النبي صلى الله عليه وآله عند المعتزلة . وقوله : بلا روية تنزيه له عن كلام الخلق لكونه تابعا للأفكار والتروي . الرابع : وكذلك " مريد بلا همة " تنزيه لإرادته عن مثلية إرادتنا في سبق العزم والهمة لها الخامس : " صانع بلا جارحة " وهو تنزيه لصنعه عن صنع المخلوقين لكونه بالجارحة التي من لواحق الجسمية . السادس : وكذلك " لطيف لا يوصف بالخفاء " واللطيف يطلق ويراد به رقيق القوام وصغير الحجم المستلزمين للخفاء وعديم اللون من الأجسام والمحكم من الصنعة ، وهو منزه عن اطلاقه بأحد هذه المعاني لاستلزام الجسمية والامكان ، فبقي اطلاقها عليه باعتبارين : أحدهما تصرفه في الذوات والصفات تصرفا خفيا بفعل الأسباب المعدة لها لإفاضاته كمالاتها . والثاني جلالة ذاته وتنزيهها عن قبول الادراك البصري السابع : " رحيم لا يوصف بالرقة " تنزيه لرحمته عن رحمة أحدنا لاستلزامها رقة الطبع والانفعال النفساني . الثامن : كونه عظيما تخضع الوجوه لعظمته ، إذ هو الا له المطلق لكل موجود وممكن فهو العظيم المطلق الذي تفرد باستحقاق ذل الكل وخضوعه له ووجيب القلوب واضطرابها من هيبته عند ملاحظة كل منها ما يمكن له من تلك العظمة .